العلاقة السامة في الشغل: المدير والزميل السام

واحدة كانت بتحكيلي عن شغلها وهي بتضحك … بس ضحكة فيها مرارة:

“أنا بروح الشغل كل يوم وبرجع حاسة إني غبية. مديري مش بيسيبني أعمل أي حاجة لوحدي. كل إيميل لازم يراجعه. كل قرار لازم ياخده هو. ولو حاجة وقعت … أنا اللي بتتلام. حتى لو مش شغلي. وبقالي سنة مش عارفة أنام كويس بالليل من القلق.”

ولما سألتها: “طب ليه مش بتمشي؟” قالتلي: “ومين قال إن الشغل اللي بعده هيكون أحسن؟ يمكن أنا اللي مش كفاية.”

الجملة الأخيرة دي … “يمكن أنا اللي مش كفاية” … هي بالظبط اللي بيئة الشغل السامة بتعملها فيك. مش بتخليك تكره الشغل بس … بتخليك تكره نفسك.

في المقال ده … هنتكلم عن العلاقة السامة في الشغل. مش عن إن الشغل صعب … ده طبيعي. بس عن إيه اللي بيحصل لما المدير أو الزميل أو بيئة الشغل نفسها تبقى هي مصدر الأذى.

الفرق بين شغل صعب وبيئة شغل سامة … خط مهم

مش كل شغل مضغوط يبقى شغل سام. في فرق كبير لازم نحترمه:

الشغل الصعب هو: ضغط مواعيد، مسؤوليات كتير، أيام طويلة … بس في احترام. في تقدير. ولما بتروح بيتك … بتحس إنك تعبت بس بتنجز.

بيئة الشغل السامة هي: ضغط مش بس من الشغل … بس من الناس. مدير بيقلل منك. زميل بيسرق مجهودك. جو فيه خوف وقلق كل يوم. ولما بتروح بيتك … مش بتحس إنك تعبت. بتحس إنك اتكسرت.

الفرق الجوهري: في الشغل الصعب … بتتعلم وبتكبر. في بيئة الشغل السامة … بتنكمش وبتصغر.

أشكال العلاقة السامة في الشغل … وجوه كتير ومسميات مختلفة

الـ Micromanagement … لما مديرك مش بيسيبك تتنفس

الـ micromanagement هو لما مديرك بيتحكم في كل تفصيلة في شغلك. مش بيديك مساحة تقرر. مش بيثق إنك تعرف تعمل شغلك لوحدك. كل إيميل بيتراجع. كل خطوة بتتحاسب عليها. وإنت بتحس إنك مش موظف … إنت عيل بيتراقب.

أبحاث كتير في علم النفس التنظيمي بتقول إن الـ micromanagement من أكتر الأنماط اللي بتقتل الإبداع وبتخلي الموظفين يحسوا إنهم مش موثوق فيهم. واحد من كل اتنين موظفين بيقول إن الـ micromanagement سبب كافي إنه يسيب شغله. والسبب مش إن الشغل صعب … السبب إن الشخص اللي بيتعامل معاه كل يوم بيخليه يحس إنه مش كفاية.

والأهم: الـ micromanagement في كتير من الأحيان مش بييجي من اهتمام … بييجي من خوف. المدير اللي بيتحكم في كل حاجة … غالباً خايف يخسر السيطرة أو خايف يتحمل مسؤولية غلط. وده مش مشكلتك إنت … دي مشكلته هو.

الـ Scapegoating … لما إنت اللي بتتلام على كل حاجة

في بيئات شغل سامة … اللوم بيمشي لتحت. لما حاجة تقع … مش بيتمسؤولية. بيتدور على حد يتلام. وغالباً … الحد ده بيكون أصغر موظف أو أكتر واحد مش بيعرف يدافع عن نفسه.

الـ scapegoating … أو تحويل اللوم … بيخلي الشخص اللي بيتلام يحس بخيانة وظلم. ومع الوقت … بيبدأ يشك في نفسه: “يمكن فعلاً أنا السبب؟” وده بالظبط هدف النمط ده.

سرقة المجهود … “الفكرة دي كانت فكرتي”

لما تشتغل على مشروع أسابيع … وبعدين مديرك يقدمه على إنه فكرته. أو زميلك يطلع في الميتينج ينسب شغلك لنفسه. ده مش بس سرقة … ده رسالة إنك مش مرئي. إن مجهودك مش ليه قيمة. ومع الوقت … بتبطل تبذل مجهود أصلاً.

الـ Gaslighting في الشغل … “إنت فاهم غلط”

أيوه … الغازلايتينج مش بس في البيت. بيحصل في الشغل كمان. المدير اللي بيوعدك بحاجة … وبعدين ينكر إنه قالها. الزميل اللي بيقولك كلام ورا ضهرك … ولما تواجهه يقولك “إنت بتتخيل”.

التهميش … لما يخلوك “موجود” بس “مش موجود”

مش بيستبعدوك رسمياً … بس بيشيلوك من الميتينجات المهمة. مش بيقولوا رأيك مش مهم … بس مش بيسألوك. مش بيطردوك … بس بيخلوك تحس إنك زيادة. التهميش من أخطر أشكال السمية في الشغل لأنه هادي … مفيش صوت عالي ولا مشكلة واضحة … بس في إحساس يومي إنك مش مهم.

الابتزاز العاطفي في الشغل … “بعد كل اللي الشركة عملته ليك”

المدير اللي بيقولك “أنا اللي جبتك هنا” أو “الشركة صرفت عليك تدريب” عشان يخليك تقبل أي حاجة من غير ما تعترض … ده ابتزاز عاطفي. مش مختلف عن اللي بيحصل في العلاقات الشخصية … بس بلبس رسمي.

إيه اللي بيئة الشغل السامة بتعمله فيك … حتى بعد ما تسيب

المشكلة مش بس إنك بتكره الشغل … المشكلة إن الشغل بيأثر على كل حاجة في حياتك:

بتروح بيتك وإنت مستنزف … مش جسدياً بس، نفسياً. مش عندك طاقة لأولادك أو شريكك أو حتى لنفسك. بتبدأ تشك في قدراتك … “يمكن فعلاً أنا مش كفاية”. بتنام وإنت قلقان … وتصحى وإنت قلقان. بتلاقي نفسك عصبي أو حزين … ومش فاهم ليه. والأخطر: بتبدأ تفتكر إن ده “طبيعي” … إن كل الشغلانات كده. وده مش صحيح.

الأبحاث في مجال الأمان النفسي في الشغل … وأبرزها أبحاث إيمي إدموندسون من جامعة هارفارد … بتقول إن بيئة الشغل اللي فيها خوف بدل ثقة … مش بس بتأذي الموظفين. بتأذي الشركة نفسها. لأن الناس بتبطل تتكلم. بتبطل تبدع. بتبطل تحاول. وبتبدأ تشتغل عشان تعدي اليوم … مش عشان تنجز حاجة.

بيئة الشغل السامة في مصر … ليه أصعب من أي مكان تاني

في مصر … الموضوع أصعب لأسباب إضافية:

أولاً: سوق الشغل مش سهل. ومش كل حد يقدر يسيب شغله ويروح يدور على تاني. فالناس بتستحمل … مش عشان مقتنعة … عشان مفيش بديل.

ثانياً: ثقافة “المدير دايماً صح”. في مصر … كتير من بيئات الشغل عندها هرمية صارمة. المدير مش بيتسأل. ولو سألت … بتتعتبر “وقح” أو “مش بتحترم”. وده بيخلي الموظف يبلع كل حاجة … ويطلع التعب في أماكن تانية.

ثالثاً: الواسطة والمحسوبية. لما الترقية مش بتيجي بالكفاءة بس … بتيجي بالعلاقات … بيبقى الإحباط مضاعف. وبتحس إنك مهما اشتغلت … مش هتوصل. وده بيكسر حاجة جوه الواحد.

رابعاً: الخوف من “الكلام”. لو اتكلمت على مديرك أو اشتكيت … ممكن تخسر شغلتك. ومفيش حماية حقيقية في كتير من الأماكن. فالسكوت بيبقى “الخيار الآمن” … حتى لو بيأكلك من جوه.

أدوات بتساعد … ازاي تحمي نفسك وإنت لسه في الشغل

مش هقولك “سيب الشغل” … لأن ده مش دايماً خيار. بس في حاجات تقدر تعملها تحمي بيها نفسك:

وثّق كل حاجة … ده سلاحك الأول

لو مديرك بيقولك حاجة كلامي … ابعتله إيميل بعدها: “بخصوص الكلام اللي اتفقنا عليه النهاردة…” كده عندك توثيق. لو زميلك بينسب شغلك لنفسه … ابعت الشغل بإيميل بتاريخ قبله. التوثيق مش بارانويا … ده حماية. في بيئة الشغل السامة … الورقة أقوى من الكلمة.

حط حدود مهنية … مش شخصية

الحدود في الشغل مختلفة عن الحدود في البيت … بس لا تقل أهمية. حدود الوقت: “أنا مش هرد على إيميلات بعد الساعة 8 بالليل.” حدود المسؤولية: “ده مش من مسؤولياتي … بس ممكن أساعد لو فاضي.” حدود المحادثة: “أنا مش مرتاح للنبرة دي … ممكن نتكلم بشكل تاني؟”.

افصل بين شخصك وشغلك … ده حاجة بتتعلمها

من أخطر حاجات بيئة الشغل السامة إنها بتخليك تربط قيمتك كإنسان بأدائك في الشغل. لو مديرك قللك … مش معناه إنك قليل. لو مخدتش ترقية … مش معناه إنك فاشل. قول لنفسك: “أنا أكتر من شغلتي. وشغلتي مش بتحدد مين أنا.”

ابني شبكة سند جوه الشغل … ولو شخص واحد

لو في زميل واحد بتثق فيه … ده كنز. مش عشان يحل المشكلة … عشان يقولك “لأ، إنت مش مجنون. اللي بيحصل ده مش طبيعي.” في بيئة الشغل السامة … العزلة بتخليك تصدق إن كل حاجة طبيعية. حد واحد بيسمعك … بيفرق كتير.

اتعلم تتكلم مع المدير الصعب … مش تسكت وتتحمل

في أسلوب بيتقال عليه الـ “assertive communication” … وده إنك تعبر عن نفسك بوضوح من غير عدوانية ومن غير استسلام. بدل ما تقول “إنت دايماً بتلومني” … قول “أنا بحس إن اللوم بييجي عليا كتير … وده بيأثر على أدائي. ممكن نتكلم في ده؟” مش دايماً بتنجح … بس بتخليك واقف على أرض صلبة.

حدد تاريخ صلاحية … مش لازم تستحمل للأبد

لو الحاجات اللي بتعملها مش بتفرق … حط لنفسك مدة. “هحاول 3 شهور كمان. لو مفيش تغيير … هبدأ أدور على حاجة تانية.” التاريخ ده مش تهديد … ده تخطيط. بيديك إحساس إنك إنت اللي بتختار … مش إن الظروف هي اللي بتختارلك.

جهز خطة خروج … حتى لو مش هتستخدمها دلوقتي

حدّث الـ CV بتاعك. اتكلم مع ناس في مجالك. ابدأ دور … حتى لو مش جدي. لأن مجرد إنك عارف إن عندك خيار … بيغير إحساسك تماماً. بدل ما تحس إنك محاصر … بتحس إنك عندك باب. حتى لو مش فاتحه لسه.

لو الموضوع أكبر منك … اتكلم مع حد متخصص

بيئة الشغل السامة ممكن تأثر على نومك وعلاقاتك وصحتك بشكل حقيقي. ولو حاسس إن الموضوع بقى أكبر من إنك تتعامل معاه لوحدك … جلسة فضفضة مع حد متخصص ممكن تساعدك تشوف حاجات مش واخد بالك منها … وتديك أدوات تتعامل بيها.

متى يبقى المشي هو الحل … مش الاستحمال؟

في خط. وبعد الخط ده … الاستحمال مش بيبقى صبر. بيبقى أذى.

لو بقيت بتنام كل يوم وإنت بتفكر في الشغل بقلق … وبتصحى من غير طاقة. لو صحتك الجسدية بدأت تتأثر … صداع مستمر، معدة، ضغط. لو علاقاتك بره الشغل بدأت تتأثر … بقيت عصبي مع أولادك أو مش فاضي لشريكك. لو بقيت مش بتعرف نفسك … بقيت شخص تاني عن اللي كنته. لو جربت كل الأدوات ومفيش حاجة اتغيرت.

في اللحظة دي … مش لازم تحس بذنب إنك بتمشي. إنت مش بتهرب … إنت بتحمي نفسك.

سؤال لنفسك … هل إنت ممكن تكون المدير السام لحد تاني؟

ده سؤال صعب … بس ضروري.

لو إنت في موقع مسؤولية … هل بتدي الناس اللي معاك مساحة يغلطوا ويتعلموا؟ ولا كل غلطة بتتحاسب عليها؟ هل بتثق في فريقك؟ ولا بتراجع كل تفصيلة؟ هل بتسمع لما حد يقولك “أنا مش مرتاح”؟ ولا بتتجاهل عشان “الشغل لازم يمشي”؟

الأبحاث بتقول إن كتير من المدراء السامين مش بيعملوا ده بنية … بيعملوه عشان ده اللي اتعلموه. ولو وصلت لهنا وبتسأل نفسك السؤال ده … يبقى إنت عندك وعي كافي إنك تبقى مدير مختلف.

كلمة أخيرة … شغلتك مش حياتك. بس ممكن تأثر على حياتك.

إحنا بنقضي تلت حياتنا … أو أكتر … في الشغل. فلما بيئة الشغل بتكون سامة … التأثير مش بيفضل في المكتب. بييجي معاك البيت. بيأثر على نومك. على علاقاتك. على إحساسك بنفسك.

مش كل حاجة تقدر تغيرها … بس كل حاجة تقدر تعرفها. ولما تعرف إن اللي بيحصل ده مش طبيعي … بتبدأ تاخد قرارات مختلفة. حتى لو القرارات دي صغيرة.

مصادر المقال

  • Edmondson, A. C. (2018). The Fearless Organization: Creating Psychological Safety in the Workplace for Learning, Innovation, and Growth. John Wiley & Sons.
  • Einarsen, S., Hoel, H., Zapf, D., & Cooper, C. (2011). Bullying and Harassment in the Workplace: Developments in Theory, Research, and Practice. CRC Press.
  • Schlenker, B. R. & Weigold, M. F. (1992). Interpersonal Processes Involving Impression Regulation and Management. Annual Review of Psychology.
  • Nedra Glover Tawwab, LCSW (2021). Set Boundaries, Find Peace: A Guide to Reclaiming Yourself. TarcherPerigee.
  • Monster Worldwide (2023). Survey: Micromanagement and Employee Retention.

لازم تشوف المقال ده عن العلاقة السامة ازاي تعرفها وتتعامل معاها