الدمـاغ

هل الطب النفسي حقيقي هايعالجك فعلًا ولا بيشتغلوك؟

حقيقة الطب النفسي

سنة 1972 دكتور ديفيد روزينهان الطبيب النفسي في جامعة ستانفورد يعمل تجربة تثير الجدل وتعمل قلق وبلبلة في أوساط الطب النفسي.. هو كان عايز يقيس فاعلية الطب النفسي في علاج الأمراض النفسية، جه هو و 7 كمان من أصدقائه دكاترة، وقالوا احنا هنروح مستشفيات ومصحات نفسية وهنتعامل بشكل طبيعي جدًا، وهنقول للدكاترة ان عندنا مشكلة نفسية “بنسمع أصوات وبنشوف حاجات” وهنشوف هل الدكاترة هيقفشونا ويعرفوا اننا مرضى مزيفين وبندعي المرض ولا الطب النفسي اللي الدكاترة دول بيمارسوه هايفشل في أنه يميز بين الشخص الطبيعي والشخص اللي بيدعي المرض؟

تجربة روزنهان

المهم؛ أخدوا بعضهم وراحوا.. وكل المصحات اللي يزوروها تشخصهم على انهم مرضى شيزوفرينيا ويحجزوهم في المصحة ويكتبولهم أدوية ياخدوها لحد ما يتعافوا.. تاني هم أشخاص عاديين بس بيكذبوا، بيدعوا انهم مرضى ويشوفوا الدكاترة هل هيعرفوا ان عندهم مرض ولا بيضحكوا عليهم!

طبعا الدكاترة دول لما كانوا بيدخلوا المصحة كانوا بياخدوا الدواء بتاعهم ويرموه، وبعد فترة يقوموا رايحين للدكارتة ويقولولهم خلاص احنا حاسين ان احنا بقينا كويسين واننا نقدر نخرج.

الغريب ان المصحات رفضت تخرجهم وقالتلهم لا أنتوا لسه عيانين.. يا عم انا تمام وكويس.. يقولوا لا اقعد انت ايش عرفك انت لسه عيان.

دكتور روزينهان في لقاء مع بي بي سي بيقول انه كان متخيل انه يقدر يخرج وقت ما يحب ومكنش يتوقع أنهم ممكن يجبروه انه يقعد في المصحة شهرين كاملين علشان يخرج مع انه شخص عادي.

عملوا كده مع 12 مستشفى تانية في 5 ولايات، منهم مستشفيات عامة ومستشفيات خاصة، وكلهم شخصوهم نفس التشخيص بأن عندهم شيزوفرينيا أو أمراض نفسية تانية.

ولما المسرحية اللى عملوها دي انتهت، دكتور روزينهان نشرها في مجلة Science الأمريكية بعنوان Being sane in insane places “أن تكون عاقلاً في مكان مجنون” ويستدل من هذه التجربة أن الطب النفسي الحديث لا يملك وسائل وأدلة قوية تمكنه من تشخيص المرض والتي على أساسها يمكنه تحديد دواء للمريض.

وتساءل؛ طالما أنه ليس هناك أسس قوية نستطيع من خلالها تشخيص المرض النفسي مثل الأسس التي نشخص من خلالها الأمراض العضوية، فمن الذي يثبت أن تشخيص هذه المستشفيات صحيح؟

بعد نشر هذه التجربة تم وضع المصحات والمستشفيات النفسية في حرج شديد.. كيف لهم أن يقبلوا بأناس عقلاء على أنهم مرضى!

إلا أن بعض هذه المصحات تحدّت روزينهام بأن يبعث إليها مرضى مزيفين وهي ستكتشفهم، وروزينهام يقبل التحدي وقالهم خلال الأسابيع الجاية هبعتلكم ناس وابقوا طلعوهم لو كلامكم صح!

المهم تعدي المدة والمستشفى تبعتلوا 41 شخص تقوله اتفضل يا دكتور المرضى المزيفين بتوعك أهم، فيرد دوكتور روزينهان “أنا أصلاً مبعتش حد”.. ازاااااي؟

من زمان وهناك حركة كبيرة معارضة للطب النفسي الحديث اسمها الحركة المعارضة لأسلوب الطب النفسي الحديث #بديهيات ، ومنه الناحية التانية ناس بتدافع بأرقام واحصائيات.

هنا بنعرض الوجهتين ونتكلم عن الصراع القديم ده

الصراع بدأ من ستينيات القرن الماضي، أي أن عمرها هو نفس عمر ظهور الأدوية النفسية وهي اللحظة التي بدأ فيها الأطباء يكتبون أدوية لمرضاهم النفسيين.

والحركة المعارضة لديها أكثر من حجة ومنهم أن تاريخ ظهور الأدوية النفسية ليس مطمئناً، حسب رؤيتهم… ليه؟

زمان كان الناس يعتقدون أن المرض النفسي نتيجة عدوى أو حاجة في سوائل الجسم فكانوا بيعالجوها من خلال نزيف الناس للدم “bleeding”، بحيث أنه يحصل توازن في جسم الشخص المصاب، ثم تطور الطب أكثر فأصبحوا يشيلوا اللوز، الطحال، جزء من المخ.

وبعد تطور الطب أكثر بدأو في العلاج من خلال موازنة كيمياء المخ، إلا أن الحركة المعارضة لا ترى ان هناك اختلاف بين كل هذه الوسائل العلاجية التي يستخدمها الأطباء النفسيين، واستدلوا بأنه ليس هناك أساس علمي تم على أساسه التشخيص للمريض، مما يعني أنه ليس هناك وسيلة لقياس فاعلية العلاج، وفقاً للدكتور توماس سزاس الاستاذ بجامعة نيويورك في كتابه The myth of mental illness “خرافة المرض النفس”، قائلاً لكي نعتبر المرض مرض لابد من توافر بعض الأشياء مثل وجود خلل أو مشكلة معينة أو ألم في عضو معين مثل الكبد أو المخ.

وقال توماس ان النفس ليس عضواً فكيف يمكن القول بأنها مريضة، كما أنه لابد من وجود طريقة علمية بيولوجية نستطيع من خلالها قياس المرض يعني حد عنده المرض ده ممكن أشوف خلايا معينة بكثافة معينة تثبت أنه مريض، أي أن هناك أرقام.

علماء كثيرون بدأو في أخذ هذه الرؤية بشكل أكثر جدية، وبدأوا في البحث عن دليل مادي وملموس للأمراض النفسية للقدرة على علاجه.. وعلى سبيل المثال الطبيب النفسي الألماني ايميل كريبلين قضى وقت كبير من حياته في البحث بين المخ والمرض النفسي والبحث عن تغييرات عضوية محسوسة في المخ يتم على أساسها اثبات ان الشخص مريض نفسي، إلا أنه كان شايف أن من الصعب التفرقة بين الحالة الطبيعية والحالة النفسية.

دكتور ريتشارد لاندس من أصحاب الرأي المعارض وكان بينتقد الطب النفسي والأطباء النفسيين بأنهم بيعملو “أسماء طبية” للمعاناة التي تحدث في الحياة الطبيعية… وكمان بيستغلوا الأسماء الطبية دي في أنهم يعملولها دواء ويبيعوه ويعملوا سبوبة حلوة، حتى وان كانت هذه الأدوية مصنعة من مواد فعالة يتم إدمانها مثل الكوكايين، واللي كان حد زي سيجمان فرويد له دور كبير في ان الكوكايين يكون موجود في الأدوية، وده لأن فرويد كان عاشق للكوكايين، فعمل عن كونه فعال في علاج الأمراض النفسية والعضوية.

ونشر فرويد دراسة بعنوان “about coca”، مما دفع بعض شركات الأدوية لاستغلال الدراسة وصناعة دواء من الكوكايين مدعيين أنه يعالج مشاكل الجسد والروح، إلا أنه ولسوء سمعة الكوكايين فشل الأمر.

في سنة 1945 شركة سميثكلاين اند فريدج قدموا علاج جديد اسمه ثورازين لمعالجة أمراض مثل الشيزوفرينيا والقلق وغيره، والشركة تصرف على هذا الدواء حملات تسويقية ضخمة، وتوصي مندوبيها يشتغلوا زي الجنود في الحرب، مما أدى الى نجاح الحملة بشكل كبير، وهو ما أدى الى انتشار هذا العقار كانتشار النار في الهشيم.

انتشر دوار الثورازين ليصبح هناك أكثر من 250 مليون شخص يستخدمونه، مما أدى إلى زيادة مبيعات الشركة بنسبة 500%، وأصبح الدواء وحده يمثل أكثر من ثلث مبيعات الشركة، وهو ما دفع العديد من شركات الأدوية إلى التفكير في تصنيع أدوية نفسية باعتبارها مصدر لجني شلال من الأموال.

ولهذا بدأ الهجوم على الثورازين من قبل المنصات العلمية، وبدأت الحكومة في منعه من الصيدليات وجعله مقتصراً على الحالات الموجودة في المصحات، مما جعل هناك تحدي جديد أمام شركات الأدوية وهو صناعة عقار جديد بمواصفات آمنة لنطاق أوسع ويتم شرائه من قبل الجمهور العام.

وبعد سنتين، خرج منتج جديد للعالم اسمه ميلتاون ليغزو السوق، لدرجة ان هذا الدواء تم وصفه في نحو 36 مليون روشتة في أمريكا فقط، وحقق مبيعات تقدر بـ 200 مليون دولار في مدة قصيرة جدا، وهو ما أدى إلى ظهور أدوية مماثلة مثل “فاليم” وتم بيع 2 مليار حبة منه في عام واحد، وهو ماقابلته الجرائد والصحف بموجة من الهجوم على الدواء لتسببه في حدوث آثار جانبية للعديد من الحالات، مما جعل رئيس اللجنة الاستشارية للأدوية يصرح بأن هذه الأدوية أخطر من الكوكايين.

وعلى الرغم من هذه الادعاءات إلا أن شركات الأدوية تجاهلت هذه الدعاوي واستمرت في انتاج الدواء، والغريب أنه في نفس الوقت ظهرت أمراض نفسية جديدة لم تكن موجودة من قبل، مما ساهم في مضاعفة عدد الأشخاص الذين يعانون من أمراض نفسية، وهو ما جعل حركة المعارضين تدعو إلى العلاج من خلال أساليب علاجية أخرى مثل اليوجا وحلقات تجمعية لمن يعانون من الشيزوفرينيا وعمل أنشطة تحسن من حالتهم النفسية.

أما حركة فرويد والمؤيدين للطب النفسي، قالوا إن الثورة الصناعية والتقدم الاقتصادي خلال الخمسين سنة الماضية جعل الانسان أكثر راحة وأقل اصابة بالأمراض العضوية، إلا أنه جعل التفكير النفسي أكثر لأن الأعمال الروتينية تدفع إلى زيادة التفكير والقلق، بالإضافة إلى التقدم التكنولوجي وانتشار الميديا والأخبار السيئة وأعمال العنف، وهو ما دفع إلى زيادة حالات المرضى النفسيين، مما يؤكد أننا لسنا من يساهم في زيادة الأمراض بل الواقع هو من يرفع نسبة المرضى.

في دراسة عام 2017 أثبتت أن عدد الأطفال اللي بيدخلوا مصحات نفسية علشان بيشتكوا من حالات انتحارية زاد الضعف خلال 10 سنين، كما أن هناك العديد من الدراسات التي تربط بين التقدم المادي والاحباط النفسي، مما جعل هناك احتياج لتسمية هذه الأعراض بأسماء أمراض.

وفيما يخص نقطة توصيف الأدوية النفسية، فإن أصحاب نظرية فرويد والمؤيدين للطب النفسي يرون أن أول خطوة في تشخيص المريض هي النظر إلى معاناته من أمراض عضوية، وذلك لأن الكثير من الحالات النفسية ناتجة عن أمراض جسدية، وهو ما يجعل الطبيب النفسي يقدم الدواء الذي يعمل على مستقبلات الهرمونات في المخ، حيث أنه من الممكن أن يكون سبب الاكتئاب أن هناك ضعف في مستقبلات هرمون معين داخل المخ، وهذا ما تقوم الأدوية بتقويته وزيادته.

مؤيدي الطب النفسي بيقولوا أنه لايمكن الجزم أن الأدوية النفسية تعالج هذه الأعراض، ولكنها على الأقل تقلل من حدة أعراضه.

المناظرة بين الطرفين موجودة من الستينات ولا يستطيع طرف أن ينكر على الآخر صحة ما يقوله بشكل قاطع، كما أنهم لا ينكرون وجود الأمراض النفسية، إلا أن الاختلاف في كيفية علاج هذا المرض النفسي  وآلية علاجه، حيث أن الرأي المؤيد يدعو إلى العلاج بالدواء لحين تحسن وضعهم الحالي الذي تسبب في وجود المرض، أم الرأي المعارض فيرى أن العلاج يكون من خلال قضاء وقت أكبر مع المرضى من خلال أساليب الاستماع لهم.

عن الكاتب

فريق بزرميط