ماذا لو ماعندكش أمراض نفسية؟

64

تخيل معايا كدة الحياة بدون أمراض نفسية. تخيل الناس كلها صحتها النفسية كويسة وزي الفل. مافيش اكتئاب ولا قلق ولا إدمان من أي نوع. مافيش فوبيا ولا توتر عصبي ولا Panic attacks. مافيش حقد ولا نرجسية ولا ناس مؤذية من أي نوع .. تخيلت؟ .. أنا تخيلت! أنا تخيلت الحياة أسعد و أسهل .. وبالتالي حياة أجمل!

بس بعد تفكير .. للأسف اكتشفت إن الحياة مش هاتبقى أجمل ولا حاجة. بل وممكن يوصل الموضوع إن مش هايبقى في حياة أساسًا.

لأ المقال ده مش عن الكليشيه المشهور بتاع “لازم نشوف الوحش عشان نقدر الحلو” .. مع إنه صحيح .. بس ده مش موضوعنا هنا!

الحقيقة إن وجود الأمراض النفسية في حياتنا حاجة مُهمة جدًا. وحاجة طبيعية جدًا ومن فطرتنا الأساسية!

أقولك على حاجة أقوى؟ احنا أصلًا أصلًا مكتوبلنا نعيش حياتنا كلها في تحديات جسدية ونفسية مستمرة.. هو ربنا اللي قالنا كدة. “ولقد خلقنا الإنسان في كبد”.
هاتقولي طيب ما في ناس مش في كَبد ولا حاجة. والدنيا بتاعتهم زبادي في الخلاط!

بغض النظر عن إن تفكيرك بالطريقة دي .. هايأخرك كتير في حياتك.. بس خليني أحاول!

هاقولك تلات حاجات بسيطة جدًا وهي: إن منطلق إن ربنا عَدل .. فأولاً: الناس دي مش هاتتحاسب زي مانت هاتتحساب .. ثانيًا: التحديات اللي بيمروا بيها مش لازم تبقى شايفها .. ثالثًا: حتى لو شايفها عمرك ماهتبقى حاسس بيها زي ما هم حاسين بيها.. رابعًا: أرجوك بُص في ورقتك وخليك في حالك لأن عمر ما تركيزك مع الناس التانية هايساعدك تبقى أسعد بأي حال من الأحوال!

وده يفسر قد إيه الأمراض النفسية وغيرها من التحديات اللي بنقابلها كل يوم هي جزء لا يتجزأ من حياتنا!

لكن برضه ده مش مربط الفرس!

لأنه مافسرش ليه الأمراض النفسية مُهمة وليه عدم وجود أمراض نفسية قد يؤدي لإنهيار الكوكب البائس already ده؟

الاكتئاب بيروح ضحيته أكتر من 700 ألف بني آدم في السنة والإدمان بيقتل عدد زي ده وأكتر كل سنة برضه!
الأبهات والأمهات اللي عندهم أمراض نفسية وبيطلعوها على عيالهم! الأطفال اللي عندهم مشاكل زي التوحد والديسلكسيا وعددهم بيزيد كل يوم عن التاني!
الناس اللي عندهم كمية طاقة مهولة ممكن حرفيًا تغير العالم للأحسن لكن مش عارفين يعملوا ده عشان عندهم معوقات نفسية زي السوشيال فوبيا، القلق، الوسواس وغيرها من الأمراض النفسية التانية!

بس عشان نعرف ليه الأمراض النفسية وجودها مُهم، لازم نعرف أصًلا:

إيه هي أهم أسباب الأمراض النفسية؟

السبب الأول: فيزيائي جدًا جاي من جوا (مالكش أي تحكم فيه): زي جيناتك وتاريخ عائلتك أو اختلال كيميا الدماغ لأي سبب عضوي وهكذا

السبب التاني: نفسي جدًا وجاي من برا (وبرضه مالكش أي تحكم فيه): زي وجود حالة طبية خطيرة سواء عندك أو عند حد بتحبه. تجاربك الوحشة في الحياة زي الإجهاد أو سوء المعاملة، خاصة لو في مرحلة الطفولة. الكحول والمخدرات وقلة الصُحاب والإحساس بالوحدة وهكذا..

يبقى الأمراض النفسية – أيًا كان سببها – هي نتيجة لتطور المشاكل النفسية اللي قابلها الإنسان في حياته وطريقه استقباله ليها وتعامله معاها.

طيب هل معنى كدة إن لو اتنين اتعرضوا لنفس الضغوطات النفسية هايتعبوا بنفس الدرجة؟ أو هايجيلهم نفس المرض؟
لأ! لأن كل واحد فينا تصميمه من جوا (ومن برا) مُختلف تمامًا عن التاني! وقدرة الصدمات على التأثير عليه مُختلفة عن التاني.
طيب هل معنى كدة إن اللي اتأثر أكتر ده أضعف من التاني؟
لأ برضه، لأن الشخصيات مُعقدة أكتر بكتير قوي من إننا – ببساطة كدة – نصنفها بشخصية قوية وشخصية ضعيفة!

نرجع تاني للنظرية بتاعت إن:

الأمراض النفسية هي نتيجة لتطور المشاكل النفسية اللي قابلها الإنسان في حياته من خلال خبراته الحياتية وتعامله معاها بصورة مش صح (سواء بمزاجه أو غصب عنه) خلاها تتطور لأمراض نفسية.

يعني مرضي النفسي ده مشكلتي وأنا اللي اتسببت ف كدة؟
لأ .. إنت بتتلكك؟ 🙂 أنا لسة قايل سواء بمزاجه أو غصب عنه!

يعني ببساطة مشاكلنا النفسية سواء اتطورت لأمراض نفسية أو لأ – من ضمن حاجات كتير قوي – تُعتبر جزء لا يتجزأ من شخصياتنا ولازم نتقبلها ونقومها وإن لزم الأمر نعالجها، عشان نعرف نتعامل معاها.

هنا – وعشان مانتسحلش في دماغنا يعني – لازم نوضح:

الفرق بين المُشكلة النفسية والمرض النفسي

المشكلة النفسية هي التحديات العادية اللي الناس بتقابلها في الحياة زي الكسوف مثلًا. الكسوف ممكن يمنعك تعترف لحد بحبك مثلًا أو يخليك تعترف بس تتلخفن في الكلام. أو تكلمه كويس بس تعرق وحالتك تبقى وحشة! تمام؟ دي أعراض الكسوف! تمام؟

المرض النفسي بقى وحسب تعريف مُنظمة الصحة العالمية هو المرض اللي يمنعك تمارس حياتك بشكل طبيعي. فلو خدنا الكسوف كمثال فساعتها الكسوف هايمنعك تعمل إنترفيو شغل. أو يمنعك تتعرف على ناس جديدة.. أو يمنعك أصلًا تنزل من بيتكوا. دي كدة أعراض سوشيال فوبيا أو اضطراب القلق الاجتماعي مش مجرد كسوف.

ماذا لو ماعندكش أمراض نفسية

الخيط الرفيع (قوي) بين الأمراض النفسية والإبداع

أو زي مابيقولوا بين الجنون والإبداع!

خلال القرون اللي فاتت .. كتير قوي من علماء النفس والباحثين ناقشوا العلاقة اللي شايفينها كل يوم بين الإبداع والصحة العقلية وبكل ثقة إحنا نقدر نقول وبناءًا على دراسات اتعملت إن في علاقة كبيرة بين الإبداع والاضطرابات النفسية وأهمها اضطراب ثنائي القطب والفصام والاكتئاب والقلق والوسواس القهري والـ ADHD أو اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط.

دراسات كتير أظهرت وجود علاقة بين المهن الإبداعية والأشخاص المصابين بمرض نفسي. وفي دراسات بتأكد أن المرض النفسي ليه دور في عملية الإبداع، ولكن برضه كل الدراسات متفقة إن بشكل عام مش لازم يبقى في مرض نفسي عشان يبقى في إبداع. يعني ممكن تبقى مُبدع وعاقل في نفس الوقت عادي! :mrgreen:

بيتهوفن كان عنده اضطراب ثنائي القطب. مايكل أنجلو كان عنده طيف من أطياف التوحد. تشارلز ديكنز كان عنده اكتئاب. داروين كان عنده رهاب الخلاء وهو أصلًا من أهم علماء الجيولوجيا (مُتخيل؟). تشرشل كان bipolar برضه. إسحاق نيوتن من أهم علماء الفيزيا في العالم كان عنده توحد وشيزوفرينيا واضطراب ثُنائي القطب! (آه مع بعض)!

لو مافيش أمراض نفسية: فده معناه إننا ماعندناش خبرات حياتيه أصلًا زي جيم كاري في The Truman Show كدة.

لو مافيش أمراض نفسية: كنا كلنا شخصياتنا هاتبقى زي بعض، والكون ده اتدمر لإن السبب الرئيسي في إن الكون ده موجود هو اختلافنا عن بعض!

لو مافيش أمراض نفسية: سؤال شبه قوي سؤالي لمدرس العربي في ابتدائي: “ليه ربنا مخلقناش كلنا أغنيا”؟ واللي جاوب عليه بكل بساطة وعبقرية: “لو كنا كلنا أغنيا ومعانا فلوس كتير مين اللي هايزرعلنا الأكل اللي بناكله؟” الإجابة كانت كفاية قوي لسني وقتها.. لكن لما كبرت شوية فهمت إن أصلًأ لو كلنا بقينا أغنيا..  فببساطة كلنا هانبقى فقرا.

لو مافيش حاجة إسمها المرض النفسي، الخبرات الحياتية، التربية، الجينات، المشاكل الجسدية والنفسية، الناس اللي بتعرفهم، الظروف الوحشة والحلوة اللي مريت بيها.. فـ هي دي الحاجات أصلًا اللي بتخليك إنت إنت!

وإنت كل اللي مطلوب منك إنك تحاول تبقى أحسن.

بالأدوات اللي عندك.

بعقلك، بفلوسك، بطموحك، بدينك، بصحابك، بأهلك.

باللي تقدر عليه!

وإحنا معاك 🙂

المقال إهداء لصديقتي الجميلة إيمان، صاحبة فيديوهات ماذا لو.

اترك تعليق